ابن قيم الجوزية

256

الروح

في المسألة ، والمذهب الحق الذي دل عليه القرآن والسنّة وأقوال الصحابة لم يعرفه ولم يذكره ، وهو الذي نسبه إلى جمهور الخلق من أن الإنسان : هو هذا البدن المخصوص فقط ، وليس وراءه شيء هو أبطل من الأقوال في المسألة ، بل هو أبطل من قول ابن سينا وأتباعه ، بل الذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان هو البدن والروح معا ، وقد يطلق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة . فالناس لهم أربعة أقوال في مسمى الإنسان . هل هو الروح فقط ، أو البدن فقط ، أو مجموعهما ، أو كل واحد منهما . وهذه الأقوال الأربعة لهم في كلامه هل هو اللفظ فقط ، أو المعنى فقط ، أو مجموعهما ، أو كل واحد منهما . فالخلاف بينهم في الناطق ونطقه . قال الرازي : وأما القسم الثاني وهو أن الإنسان عبارة عن جسم مخصوص موجود في داخل هذا البدن ، فالقائلون بهذا القول اختلفوا في تعيين ذلك الجسم على وجوه : الأول : أنه عبارة عن الأخلاط الأربعة التي منها يتولد هذا البدن . والثاني : أنه الدم . والثالث : أنه الروح اللطيف الذي يتولد في الجانب الأيسر من القلب وينفذ في الشريانات إلى سائر الأعضاء . الرابع : أنه الروح الذي يصعد في القلب إلى الدماغ ، ويتكيف بالكيفية الصالحة لقبول قوة الحفظ والفكرة والذكر . الخامس : أنه جزء لا يتجزأ في القلب . السادس : أنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس ، وهو جسم ثوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد ، وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم ، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكا لهذه الأعضاء ، وإفادتها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية . وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها وخرجت